تاريخ أوراق اللعب

على الرغم من أن أوراق اللعب تبدو معروفة ومألوفة لكل الثقافات حول العالم في الوقت الحالي إلا أنها لم تكن “طبيعية” و “تقليدية” للأشخاص في الماضي فقد كانت تعني لهم الكثير من الأشياء والرموز والأفكار وفقًا لثقافاتهم وأديانهم. من المتفق عليه بسن المُؤرخين أن أصول ابتكار أوراق اللعب ليست واضحة تمامًا ومع ذلك فإن اغلبهم يُرجحون أن الصينيين كانوا أول من اخترعوها لأنهم أول من اخترع الورق بمعناه الحديث وقبلهم كان الفراعنة يستخدمون أوراق البردي والتي استخدمها اليونانيون أيضًا ولكنها لم تكن فعَّالة في مواجهة الرطوبة والطقس والتعفن أما الأوراق الصينية فكانت أكثر متانة وفاعلية ويُمكن انتاج الكثير منها في وقتٍ محدود لذلك فإنهم لم يخترعوا منها أوراق اللعب فقط بل والأوراق النقدية والأوامر والقوانين وغيرها من المستندات التي كانت طفرة حداثية في هذا الوقت البعيد!
لم يكن الصينييون يُحبون مشاركة غيرهم من الشعوب الابتكارات والأفكار التي وصلوا لها مثل الورق والبوصلة والمكرونة، ولكن مع اجتياح القائد المغولي الدموي جنكيز خان للصين فإن جنوده حصلوا على كل أسرار هذه الدولة ونقلوها إلى دول الشرق أثناء غزواتهم لها ومنها انتقلت إلى كل دول العالم! من المُثير معرفة أن الجنود المغول الذين نشروا الرعب في العالم القديم لهم الفضل في نقل العاب الورق التي نستمتع بها الآن.
خلال القرون التالية مرت أوراق اللعب بالكثير من التحولات الجذرية إلى أن وصلت إلى مجموعتنا القياسية المُكوَّنة من 52 بطاقة، وتحتوي على 4 بدلات باللونيْن الأحمر والأسود، وبطاقتيْن جوكر. في هذه المقالة سوف نستكشف رحلة أوراق اللعب مع التركيز بشكلٍ خاص على التأثيرات الجغرافية وإساهمات الدول المُختلفة في تطوير هذه اللعبة.

 

الشرق الأقصى والأوسط

كما سبق وأشرنا في مُقدمة هذا الدليل، فلا يوجد رأي ثابت بين العلماء على منشأ أوراق اللعب وذلك نظرًا لأن الأوراق لا تبقى جيدة مع العصور خاصةً لو كانت تستهلك في اللعب بشكلٍ يومي، ولكن الرأي الراجح هو أن أوراق اللعب ظهرت في أوروبا خلال الفترة بين القرن الـ 13 والـ 15 بفضل التجار أو الغجر او الصليبيين. إذا افترضنا بالفعل أن الصينيين هم من اخترعوها فهذا يعني أنها قد أُطلقت مع العاب المربعات والدومينو. أما أقدم إشارة تاريخية مُؤكدة حول هذه اللعبة فهي موجودة في أوروبا وهي موجودة في مخطوطة لاتينية لراهب ألماني موجودة بدير سويسري.

 

إيطاليا وإسبانيا

في مخطوطة ترجع لعام 1377 وصف الراهب الألماني يوهانس من سويسرا شكل لعبة البلاك جاك وطريقة لعبها، ومن العجيب أنه لم يصفها من باب كونها لعبة مُسلية ولكن على أنها “لعبة خطيرة تعوق المُؤمنين عن الصلاة”! بالإضافة إلى ذلك، فإن المخطوطات الدينية التي تعود للقرن الرابع عشر الميلادي حافلة بالتنديد ضد لعبة البلاك جاك وغيرها من الألعاب الأخرى التي استخدمت في المُقامرة، ومع ذلك فهناك دليل واضح على وجود مجموعة ورق أكبر من 52 بطاقة استخدمت في هذا الوقت وهو يعود إلى إيطاليا حيث كان يتم استخدام السيوف وهراوات والأكواب والعملات المعدنية وهي الرموز المُميزة للحضارة الإيطالية على مر التاريخ، ومع ذلك فإن البعض يربط بين هذه العملات والمماليك الذين حكموا مصر في نفس الفترة وكان لديهم شغف خاص بالمقاهي والحانات والألعاب المُختلفة. على أي حال، فلا تزال هذه الرموز موجودة الآن في العاب الورق الإيطالية والإسبانية ويشار إليها أحيانًا بالبدلات اللاتينية.
عادةً ما تتضمن أوراق اللعب الإيطالية والإسبانية ملكًا راكبًا وملكة جالسة على العرش ومُتوَّجة كما أنها تحتوي أيضًا على سكين ورمز الخادم. يبدو أن هذه البطاقات تُشير بشكلٍ ما إلى خيانة ولكنها ليست مرتبطة بمسرحية هاملت لشكسبير بأي حال! في نسخ أخرى من اللعبة – التي انتشرت في الدول الملكية الأوروبية – يتم إزالة السكين ووضع جاك (الأمير) ولكن كانت النسخة الإسبانية تفتقر إلى بعض البطاقات وهو ما جعلها مُكوَّنة من 40 بطاقة فقط.

 

ألمانيا

كما هو الحال دائمًا فإن الألمان يرغبون في التميُز على كل الأوروبيين الآخرين لذلك فإنهم طوروا نسختهم الخاصة من البطاقات لتحل محل البطاقات الإيطالية، في هذه الفترة البعيدة لم تكن الصناعة قد انتشرت في ألمانيا بعد وكانت لاتزال دولة ريفية مثل أغلب الدول الأوروبية الأخرى لذلك فإن البطاقات تعكس صورًا من الحياة الريفية بما في ذلك الجوز والفاكهة والقلوب والأجراس والصقور، ربما تستغرب وجود الصقور في هذه المجموعة ولكن الألمان الريفيون كانوا يهوون الصقارة. بالإضافة إلى ذلك فقد تم إزالة الملك والملكة ووضع الخياطيين بدلًا منهم، وكانت هه المجموعة تحتوي على 48 بطاقة، أما التطوَّر الأكثر إثارة للإهتمام الذي أضافه الألمان فكان أساليبهم الخاصة في طباعة أوراق اللعب باستخدام تقنية تقطيع الأخشاب والنحاس والنقش عليها والتي كانت تستخدم أيضًا في طباعة الصور والأيقونات المقدسة.

 

فرنسا

خلال القرن الخامس عشر الميلادي طوَّر الفرنسيون الأيقونات القياسية الموجودة الآن وهي القلب، والبستوني، والماس، والسَنَك. بالإضافة إلى ذلك فإن الفرنسيين فضلوا أيضًا الإبقاء على الملك والملكة والجاك كرموز لبطاقاتهم. أما الابتكار الأكثر إثارة الذي استطاع الفرنسيون الوصول إليه كان تقسيم البطاقات إلى لونيْن وهما الأحمر والأسود، بالتالي فقد أصبحت البطاقة الواحدة تحمل القيَّم التالية:
· صورة أو رقم
· رمز
· لون
بالتالي فقد سمح هذا الأمر بإبتكار المزيد من الألعاب لأن احتمالات قيَّم البطاقات أصبحت أكبر دون أن يزيد عددها! بالإضافة إلى ذلك فقد اخترع الفرنسيون تقنية الإستنسل وهي أسرع بمئة مرة من استخدام التقنيات التقليدية لقطع الخشب والنقش التي استخدمها الألمان من قبل. بعد ذلك بمدة قصيرة فقد اخترع جوتنبرج مطبعته في عام 1440 ليتم استبدال تقنية تقطيع الخشب والنحاس التقليدية بتقنية الأحرف المتحركة والطباعة الحبرية الأسرع بكثير، لذلك فإن الألمان فقدوا سريعًا سيطرتهم على صناعة أوراق اللعب أمام الفرنسيين.

 

إنكلترا

ساعد التبادل الثقافي بين فرنسا وإنكلترا على نشر اللعبة في المملكة التي لا تغيب عنها الشمس، ومع ذلك فمن الأرجح أن تجار وصُنَّاع البطاقات قد هاجروا من فرنسا إلى بريطانيا للهروب من الضرائب الباهظة التي كانت تفرضها عليهم فرنسا. بشكل خاص كانت مدينة روان على هي مركز صناعة الورق الأكثر شهرة هناك، ومنها تم تصدير الآلاف من بطاقات اللعب البلجيكية إلى جميع أنحاء أوروبا.
حاول الإنجليز وضع بصمتهم على اللعبة من خلال استخدام أسماء القلوب، البستوني، والماس، والسنك بأسمائهم الحقيقية، ومع ذلك فإننا مدينون للإنجليز بإختراع بطاقة Ace of Spades والتي اخترعوها بشكلٍ أساسي لأن الحكومة البريطانية قد فرضت قوانين على الشكل السابق لأوراق اللعب لذلك فإن المصنعيين قاموا بإضافة بطاقة Ace of Spades للتهرب الضريبي.

 

الولايات المتحدة الأمريكية

الإجابة دائمًا هي “الولايات المتحدة الأمريكية”! فعلى الرغم من أن الأمريكيين جاءوا متأخرين في كل الرحلات التاريخية إلا أن إسهامهم هو الأكثر ثورية في التاريخ البشري. في البداية فإنهم اعتمدوا على بريطانيا للحصول على وارداتهم من أوراق اللعب، ولكن بعد ذلك أصبحوا يُصنعون بطاقاتهم الخاصة وأضافوا لها الجوكر الأمريكي .. ألم تشاهد فيلم (The Dark Knight) الشهير؟!